استغلال الأعداء للأصدقاء!!
بعد حرب فيتنام، وبعد الحرب الباردة، وبعد سقوط الاتحاد السوفيتي، بعد بروز اليابان الاقتصادي، بعد ظهور العملاق الصيني، يظهر أمام المنطقة العربية مصيرها، والذي حددته أمريكا باحتلال العراق، كمركز تنطلق منه ليس نحو تفتيت المنطقة العربية فقط، بل من أجل الشرق البعيد.
والمعطيات التي ظهرت هي أن الشرقين الأوسط (العالم العربي) والبعيد (آسيا الكبرى) رفضا "العولمة الصلبة" ولم تلق القبول لديهما، وقد فشلت السياسة الأمريكية في استقطاب العالم نحو "العولمة"، ولكن "العولمة التقنية" وثورة "الشبكة" ساعدت في وصولها إلى المنطقة بل وتغلغلها بشكل لم يكن متوقعًا، ومن هنا فإن قدرة وسائل الإعلام الجديد على خلق روح جديدة في حياة الأمة العربية ساعد على الوصول إليها، فكانت القوة الصلبة من خلال احتلال العراق عاملاً مساعدًا للقوة الناعمة التي تنتشر عبر "التقنية" وبشكل متسارع. لتشرع بعد ذلك في خلق نوع من الرعب في المنطقة العربية بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر عن طريق "الإرهاب" وصناعة "وحش" يسمى "داعش"، هذا الوحش اعتمد كثيرًا على "الميديا" أو "أيديولوجية الميديا" التي أمدته بالكثير لنشر الرعب في المنطقة، مما سهّل سقوط العرب في هذا الفخ. وكان التأثير على الجماهير كبيرًا، بدلالة أن نقد الإسلام نفسه بل القسوة عليه بات يُسمع من أهل الإسلام أنفسهم، كون التأثير على الجماهير العربية كان ممنهجًا وقويَا. وبدلالة أن العرب أنفسهم بدأت تأخذهم "النزعة القطرية" وأصبح كل جزء أو دولة في "العالم العربي" يعيش منعزلاً عن الآخر، وكأنهم ليسوا أهل لغة واحدة أو دين واحد. لقد كنا نعيش أيامنا عبر صحافة "تكوين الرأي" واليوم بتنا نعمل على تغيير "القناعات" في "السوشل ميديا" ولا شك أن هناك فرق بين المنهجين.
من خلال ما نراه لا نرغب في إعادة رسم الخريطة العربية، ليست المسألة جغرافية، ولكنها إعلامية سياسية، وعلى الإعلام العربي أن يعيد ترتيب نفسه، ليس عبر الخطاب الرسمي بل عبر الجماهير نفسها، حيث أن المؤثرات التي يقتات منها الفرد العربي باتت واضحة للعيان، وأصبحت تعوم في "الحداثة السائلة"، وعاشت الجماهير في غيّها من خلال التأثير الذي ترسمه وسائل التواصل الاجتماعي، عن طريق محترفين من الغرب يغذون النزعات الطائفية والنعرات العربية، ويدعون إلى الفرقة بصنع نماذج مناوئة لهم.
إن قضية فلسطين يتم استغلالها بشكل ملحوظ هذه الأيام لصنع الفرقة بين العرب، فهي قضيتهم الأزلية مع إسرائيل العدو الأول للإسلام، والغرب وإيران وتركيا تستغلها بشكل واضح ومفضوح، ومع ذلك فإن الشعب الفلسطيني ـ ليس كله ـ يعيش وهو يحمّل العرب أسباب سقوط فلسطين في أيدي اليهود بينما المشكلة لا تتوقف هنا، ولا ذنب للعرب فيها لأن فلسطين سقطت في أوج الضعف العربي بشكل عام، والعقلاء منهم يعون ذلك، ولكنهم يكابرون من حيث لا ندري، لأنهم لم يجدوا لأسباب خسارتهم أي عذر سوى أن يحملوها العرب. وليس هذا لب القصيد هنا، فلب القصيد هو الاستغلال الذي يتم لتشتيت العرب عن لمّ فرقتهم، وليبقوا الشعوب العربية في حالة تناحر فيما بينهم كشعوب، ومن الواضح لأعداء الأمّة العربية أن المملكة العربية السعودية هي الدولة التي بقيت المتكأ للعرب بعد سقوط العراق ومن ثم سوريا وضعف مصر في الوقت الراهن، ولهذا يسعون لزعزعتها عبر تطويقها من كل الجهات، وفعلاً فعلوا ذلك في اليمن وفي وسريا وسعوا للبحرين وسعوا لغربها في مصر والسودان ولكنها متماسكة وتدعو وتدعم التماسك لما تبقى من البلدان العربية.
ولكن يأتي استغلال السوشل ميديا من أجل صنع حالة عربية مطعمة بالكراهية ضد المملكة، وذلك بخلق تشويش مستمر عليها عبر القضية الفلسطينية، وبكل أسف هناك من السذج من الشعوب العربية ومن الشعب الفلسطيني من يصدق ما يتم قوله، بل ويسعون إلى ربط كل مشكلة تحدث في فلسطين بها، وفي هذا غلو وفيه بلبلة تساعد الأعداء للنيل من العرب، ولزعزعة استقرارهم، ولعل عقلاء فلسطين يستعيدون وعيهم ويتساءلون عما يفعله سفاءهم ويسكتوهم لأن هذا ليس من مصلحة فلسطين ولا العرب، بل من مصلحة إيران ومن يسندها لتفتيت المنطقة. وأقول إن على الشعب الفلسطيني أن يقف في وجه هذا المد القبيح، الذي يحدث من البعض بداعي الكراهية للمملكة لأنها أحرقت مشاريع الإخوان المسلمون ومشاريع إيران ومن ورائهم الغرب في المنطقة، ولأنه إن لم يوقفوا هذا الحقد فإنه سيحرق فلسطين قبل أي دولة عربية!

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
أهلا وسهلاً..سأحتفي برأيك