الأربعاء، 6 مارس 2013

رحلة البحث عن بترول جنوب السودان (الحلقة الخامسة)

رقصة رئيس البرلمان الجنوبي.. عذابٌ على الصحفيين





رئيس البرلمان يرقص في أحد احتفالات ولاية الاستوائية الوسطى في جوبا (الشرق)






أهل دولة الجنوب على الفطرة.. ومسؤولوها صارمون.
وصول البضائع من كينيا إلى جوبا يستغرق عشرة أيام.
أسعار السلع مرتفعة.. والسكان يعيشون على ما يزرعونه.

الحلقة الأولى
الحلقة الثانية
الحلقة الثالثة
الحلقة الرابعة
الحلقة الخامسة
الحلقة الأخيرة

بدأت رحلة «الشرق» إلى دولة جنوب السودان بمعاناةٍ لازمت مراسليها منذ أن وصلوا إلى مقر سفارة جوبا في الخرطوم، ثم استمرت المصاعب في مطار العاصمة الجنوبية، مروراً بالبحث عن فندق ومحاولة التقاء المسؤولين الرسميين.
ذهبت «الشرق» إلى جوبا لرصد تفاصيل دولة ناشئة تبحث عن فرص الاستثمار والظهور عبر وسائل الإعلام، كما يقول وزير الإعلام في حكومتها برنابا بنجامين.
وخلال هذه الرحلة اختلطت الجوانب الإنسانية والاجتماعية بما هو سياسي واقتصادي، كما لم يكن البُعد التاريخي غائباً، تحدثت «الشرق» إلى مسؤولين في الحكومة وإلى مواطنين، وتعرفت على حجم المشكلات والتحديات التي تواجه هذه الدولة، وحاولت استشراف مستقبلها القريب.

ارتفعت وتيرة تنقلاتنا في اليوم الخامس لنا في جوبا بغية الحفاظ على الوقت الذي بدأ يضيع منّا «دون فائدةٍ تذكر» و»دون أن نحقق الهدف الذي أتينا من أجله».
ورغم ذلك كنت أدرك أنني أسير صوب قصة تقدم للصحفي أنموذجاً بناءً في استقاء الأخبار، في أنه مهما بدت رحلتك التي ذهبت من أجلها فاشلة إلا أنك تستطيع تحويلها إلى نجاح.
ماذا تعني مقابلة الرئيس بالنسبة للناس؟ لا تعني شيئاً، هم يرونه كل يوم في الأخبار أو يقرأون عنه وعن تصريحاته في الصحف، هل ذهبتُ إلى جنوب السودان لمقابلة الرئيس فقط؟
إن كانت هذه مهمتي التي يجب أن أحققها، فإنها بلا شك فاشلة حتى لو تمت، فاشلة ليس على مستوى عملي الصحفي ولكن أمام الناس، ماذا يريد الناس من جنوب السودان سوى معرفة ما يدور فيه، لن أنقل ما يدور هناك عن طريق لقائي بالرئيس إنما عن طريق لقائي بالناس، ومن خلال رصدي لحالة المجتمع والنواحي الإنسانية فيه وما يحتاج إليه، من خلال رصد ما نريده نحن العرب من هذا المجتمع وما يريده هو منّا.

أناس على الفطرة


أناس الجنوب طيبون، أستطيع التأكيد أنهم على الفطرة، فايز عمر أكيج الذي تعرفت عليه في جوبا، وهو ممن كانوا ضمن بعثة الحج الأولى، ويعمل مصوراً في التليفزيون الحكومي، كان يشتري لي أشياءً دون أن يحصل على ثمنها، كان يحدثني عن زوجته التي تستيقظ في الرابعة صباحاً لتصنع خبز الـ «ويكا» وتوزعه في المطاعم، ولا تعود إلا في الثانية عشرة ظهراً من أجل مساعدته في توفير لقمة عيش «هنيّة».
وصلت إلى مجلس الوزراء على متن الـ «بودا بودا»، قائدها ديفيد أوصلني إلى هناك، أعطيته خمسة وعشرين جنيهاً ليرد لي الباقي وهو عشرون جنيهاً، لكنه لا يملك سوى جنيهات قليلة، أعاد إليّ الخمسة وعشرين كاملةً، وقال لي: «ادفع فيما بعد»، سألته: «كيف وأنا لا أعرفك؟»، ردّ «سجل رقمي عندك واتصل بي وأنا آتيك»، فايز مسلم وديفيد مسيحي لكن الطبيعة واحدة.
السيدة «دنيا» أو «ست الشاي» كما يطلق عليها الجميع هنا في جوبا، تقول لي: «إن لم يكن معك جنيهات ادفع فيما بعد»، لم تفكر في أن هذا الشخص غريب، وقد يغيب في أي لحظة فيما هي في أشد الحاجة إلى جنيه يسد رمقها ورمق عائلتها التي تعمل من أجلها.
كل هذه الصور تتكرر في أي مكان تذهب إليه في جوبا، إلا ما يتعلق بالمواقع الرسمية، فالصرامة هي الديدن، وعدم الثقة في الصحفيين هي النظرة السائدة.

أسعار مرتفعة





ميان إبولو




رغم هذه الفطرة التي تُميِّز الجنوبيين، إلا أن الحياة تبدو هنا قاسية للغاية بسبب ارتفاع أسعار السلع الأساسية كالسكر والزيت والوقود والبيض والدجاج، وقد قفز معدل التضخم في الدولة الوليدة إلى 35% في يناير الماضي مع ارتفاع كبير في أسعار الغذاء، فيما يبلغ سعر صرف الدولار في السوق الموازي أربعة جنيهات، وهو ما يعادل قيمة قارورة مياه متوسطة أو قارورة مياه غازية، فيما تتراوح أسعار الغرف في الفنادق المتوسطة من 150 إلى 200 دولار.
ويوضح صديقنا المصور التليفزيوني، فايز أكيج، أن معظم سكان الجنوب يعتمدون في حياتهم المعيشية على المنتجات الغذائية التي يزرعونها إما في مزارعهم أو حتى داخل بيوتهم، فيما يعتمد سكان العاصمة جوبا على ما يرسله لهم ذووهم من محاصيل زراعية.
فيما يرى جيمس مجوك، وهو تاجر في سوق جوبا، أن تكلفة نقل السلع والبضائع باهظة للغاية نظراً لارتفاع أسعار الوقود ولوعورة الطرق، وغياب الأمن فيها أحياناً، إضافة إلى طولها.
ويستغرق وصول حاوية البضائع من ميناء مومباسا في كينيا إلى العاصمة جوبا مروراً بالأراضي الأوغندية ما بين ثمانية إلى عشرة أيام، وهو ما أوجد صعوبة بالغة فى إمكانية حصول المواطنين على احتياجاتهم.
ومن السوق نفسه، يقول ميان إبولو «نحن في جنوب السودان نستورد كل شيء تقريباً من الخارج، خاصة من دبي، وكينيا، وأوغندا، كما أن التجار الصوماليين والأثيوبيين هم الذين يسيطرون على السوق».

إغاثة غربية





جيمس مجوك




غير أن أول ما يلفت نظر زائر جوبا هو هذا الكم الهائل من سيارات منظمات الإغاثة الغربية والأمم المتحدة التي تملأ الشوارع وطائراتها المرابطة في المطار رغم افتقاده لأبسط الخدمات مثل سير نقل حقائب الركاب.
وتعتقد تريزا جونسون، وهي طبيبة بريطانية تعمل في إحدى المنظمات الإنسانية الغربية في جوبا، أن «هناك انهياراً شبه تام في مستوى الخدمات الصحية في غالبية مدن ومحافظات جنوب السودان، كما أن معدلات وفيات الأمهات هنا تعد الأعلى في العالم».
وتضيف، وهي تغمض عينيها في انفعال شديد «يا إلهي، هناك أناس يموتون بسبب الجوع يومياً في مختلف مناطق الجنوب، كانت الأسابيع الأولى التي قضيتها في عملي بهذه المناطق بمثابة تجربة مريرة وقاسية بالنسبة لي لن أنساها مدى الحياة».
هذا ما أكده أيضاً الدكتور علي حامد، المدير التنفيذي لمنظمة «تراث» الإنسانية العاملة في الجنوب في حديثٍ لإحدى الصحف المحلية، لكنه عد منظمات الإغاثة أخفقت في ترسيخ السلام بالجنوب وتنمية المجتمع الجنوبي، ورأى أن هذه المنظمات مهدت طريق الانفصال.
وقال حامد «إن المنظمات تجاوزت دورها المناط بها من إقامة تنمية، ومحاربة الفقر، ومساعدة المحتاجين، وإقرار السلام بين المجتمعات ورفاهيتها إلى أدوار أخرى كثيرٌ منها مشبوه».
وأوضح قائلاً «في كثيرٍ من الأحيان تقوم هذه المؤسسات بتدخلٍ سافرٍ في الشئون الداخلية للدولة، والتلاعب في قيم المجتمع وعقائده وتوجيه المجتمعات، والعمل على إخراجها من منظومتها المحلية بحججٍ مختلفة».

رقصة الرئيس





فايز أكيج




هذه التنقلات التي تحدثت عنها في بداية حلقة اليوم أوصلتنا إلى احتفال لرئيس البرلمان، جيمس واني انيقا، الذي كان يشارك الأهالي احتفالهم بتصفيات في لعبة كرة السلة، حسبما أخبرنا صديقنا فايز.
كان الزميل شاهين يرى أن دخولنا هذا الاحتفال مضيعة للوقت، لكني أصررت على الدخول لأخرج بلقطة صحفية وسياسية تكشف مدى تحكم العسكر هنا، وعدم إلمامهم بحاجة الدولة الوليدة إلى مساندة الإعلام وعدم ميلهم إلى التعامل مع الصحفيين.
رقص رئيس البرلمان، فمنحت رقصتُهُ هذه روحاً جديدة للجماهير جعلتهم يتفاعلون معه بشكلٍ لافت.
صافحت رئيس البرلمان، وقمت بتصويره وهو يرقص باستخدام جوالي وكاميرا كنت أحملها على كتفي، خرجت من الاحتفال وأنا أضحك، لكن ضحكي لم يكتمل، تقدم نحونا ثلاثة أشخاص وهم مسرعون، قالوا: «قفوا.. قفوا»، توقفنا فسأل أحدهم: «لماذا كنت عند الرئيس؟» قلت «هو مَنْ دعانا وهو مَنْ أخذ بياناتنا ومنحنا رقم هاتفه»، خاطبنا هذا الشخص بلهجة آمرة: «اجلسوا.. اجلسوا»، جلس زميلاي لكني لم أجلس، قال لي «اجلس» فرفضت، اقترب مني، وقال: «أقول لك اجلس»، وكأنه يريد مني أن أركع له، رفضت الجلوس، وقلت: «ليس من حقك فعل هذا الشيء، أريد التحدث مع المسؤول عن عملك، ولن أجلس».
حاول زميلاي إقناعي بالجلوس، فرفضت وأظهرت البطاقة الصحفية الصادرة عن وزارة إعلامهم، أخذها الشخص الذي دعانا إلى الجلوس ثم عاد ليقول لي «اجلس» بعد أن اقترب ومد يده تجاهي، تراجعت قليلاً، وقلت له إنني لن أجلس، انتهى به الأمر أن قال: «لا تتحركوا من هنا حتى آتيكم».
عاد ومعه رجل قابلنا بابتسامة، أخبرته بما أتينا من أجله، تبسم وقال: «بسيطة»، لكن محدثنا الأول، قال: «اعطني الكاميرا وامسح كل ما التقطته من صور» أخرجتها له وقمت بمسح الصور، قال: «اعطني جوالك»، قلت: «لا، جوالي ملك لي ولن أعطيك أياه»، فرد آخر بجواره: «امسح رقم الرئيس»، قلت: «هذا رقم الرئيس خذوه»، كنت أعلم أن زميلي شاهين دوّن الرقم على ورقة، مسحت الرقم وذهبنا.
لم أتصل بعدها برئيس البرلمان أو بوزير الإعلام لأخبره بما حدث خشية أن يضر ذلك بزميل المهنة الجنوبي «فايز»، فهم يعلمون أنه يعمل في التليفزيون الحكومي، على أن صورة رقصة الرئيس، وهي من رقصات «الشولي» الشهيرة لديهم، مازالت على جوالي لأحقق أول انتصار للكاميرا في هذه البلاد.

إصرار مهني


إصرارنا على مقابلة الرئيس لم يتوقف، واصلنا السير في هذا الاتجاه، كان زميلي شاهين يقول «سنلتقي وزير الإعلام ونكتفي بهذا»، سألت: «هل أعود إلى بلدي لأقول لصحيفتي وللناس إنني ذهبت إلى جنوب السودان كي ألتقي وزير الإعلام فقط؟ لا أرضَى بذلك ولن ألتقي أي وزيرٍ ما لم ألتقِ الرئيس أو نائبه».
ترددنا على وزارة الإعلام ومجلس الوزراء أكثر من مرة خلال ثلاثة أيام متتالية، في الغالب كنا نسير على أقدامنا، وإن أصابنا التعب ركبنا الـ «بودا بودا»، هكذا حتى وصلنا إلى السفارة السودانية في نهاية أسبوعٍ طويل، استخرجوا لي تأشيرة دون أن أدفع تكاليفها، هكذا هم الشماليون.
وبعد أن خرجنا من السفارة، قلت: «سأعود غداً إلى الخرطوم ولو على جناح طائرة، لن أجلس هنا أكثر من ذلك»، عدنا إلى الفندق ووجهنا رسالة إلى وزير الإعلام أخبرناه فيها أننا سنعود إلى المملكة وسنحمل معنا رسالة مفادها عدم تعاون الجهات الرسمية معنا في مهمتنا الصحفية.
بل وأرسلنا رسالة إلى مدير مكتب نائب الرئيس بالمعنى نفسه، لكن زميلي عبدالنبي شاهين قال: «هيا نذهب ونحاول آخر محاولة للالتقاء بنائب الرئيس»، قلت: «لن أذهب معك، اذهب لوحدك».
كانت الساعة الرابعة و45 دقيقة عصراً، لم يتبقَّ إلا 15 دقيقة على انتهاء الدوام الرسمي هنا، ذهب زميلي شاهين وبعد نصف ساعة اتصل بي، وقال: «ارتدي ملابسك واحضر فوراً، سنلتقي نائب الرئيس»، هل يُعقل هذا؟ لم أصدق، من الخميس إلى الخميس ونحن نطلب لقاء نائب الرئيس رغم التنسيقات المسبقة والاتصالات المتكررة والترتيب منذ شهر ونصف الشهر، ولا تتم المقابلة إلا عشوائياً وقبل خروجه من مكتبه بدقائق (ننشر تفاصيل اللقاء في حلقة الغد).

بترول الجنوب


تحدثت في هذه الرحلة عن بترول جنوب السودان لكني لم أطرق الموضوع في الصميم لسببين اثنين، أولاهما أننا لم نستطع الوصول إلى معلومات جيدة حتى من وزارة البترول ولم نلتق الوزير، وثانيهما يأتي في سياق قصة رواها لي صاحب الفندق، حيث قال إن صحفياً من نيجيريا جاء إلى هنا، ونزل في هذا الفندق لمدة خمسة أيام دون أن يستطيع الالتقاء بمسؤول واحد. وأضاف: «يقول ذلك الصحفي إن بترول الجنوب سيلحق بترول نيجيريا، فهي دولة غنية بالبترول، ولكن الناس فيها فقراء، وهذا ما ستؤول إليه جوبا إن استمرت هكذا». وتقول الأرقام إن جوبا خسرت بإيقافها إنتاج البترول عشرين مليون دولار يومياً أي أكثر من سبعة مليارات سنوياً، إذ إنها كانت تنتج 350 ألف برميل، 150 ألفاً تذهب للشركات، و200 ألف للدولة الوليدة.



جنوبيون يبتسمون بعد وصول الغذاء




 



سيدة جنوبية داخل مطعم في جوبا




نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٤٥٨) صفحة (٢٣) بتاريخ (٠٦-٠٣-٢٠١٣)



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أهلا وسهلاً..سأحتفي برأيك