أن تكذب أكثر..
"إن الأكذوبة تقوم بدورة كاملة حول العالم قبل أن تنتهي الحقيقة من ارتداء سروالها"
ونستون تشرشل
(1)
الحرب الباردة أسست لمنهجية إعلامية وثقافية اتبعتها السياسة الأمريكية أثناء حربها ضد الشيوعية، واعتمدت فيها على توظيف الكتاب والفنانين والموسيقيين والإعلاميين ليكونوا " زمارين" لها، مما حدا بإحدى الكاتبات لتأليف كتاب عنونته بـ " من الذي دفع للزمار؟" وكشفت فيه العديد من الأساليب التي تتبعها الاستخبارات الأمريكية في تسيير آلتها الهمجية من أجل السيطرة على العالم، وإبقائه في حالة من الفوضى، كي تسهل السيطرة عليه. وبكل أسف استمرت هذه السياسة معها إلى اليوم،مع تطويرها وتطويعها حسب كل مرحلة، وحسب كل منطقة جغرافية تتجه إليها، فمن المعلوم مثلاً أن العرقيات في أفريقيا كثيرة، ولكثرتها استطاعت التلاعب بالأفكار وتشويش هذه العرقيات حتى أصبحت متحاربة، وبالنسبة لمنطقة الشرق الأوسط والتي تعد الأصعب في نظر المفكرين والساسة، أو هذا ما ينبئنا به الإعلام الأمريكي، فاللغة والدين والمنطقة تجمع العرب، وتجعلهم من هذه الناحية هم الأصعب، ولكن ما يحدث في المنطقة العربية اليوم، يدلل على أن ما ذهبت إليه الآلة الغربية هو نوع من هذا التضليل الذي تمارسه على العالم، حين استطاعت اختراق جدار العرب وأدخلت الفرس في حرب فكرية مع العرب، بدءاً من حرب الخليج الأولى وانتهاء بسوريا اليوم، والتي استغلت فيه الدين بشكل فاضح وواضح، فصنعت عدواً لها وللعالم من السُنّة، وصنعت عدوا للعالم العربي من الشيعة، وجعلتهما يتحاربان في المنطقة إسلامياً وتحت شعارات زائفة يمثلها الشيعة بكل قوة، ويواجهها السنة بالمثل.
والولايات المتحدة الأمريكية تملك وسائل إعلام مؤثرة وخطيرة في نفس الوقت، ودوما تعمل على تضليل الرأي العام الأمريكي والعالمي على حد سواء، مثلما حدث في حربها على العراق، وخداعها للعالم بكذبة أسلحة الدمار الشامل، ووسائل الإعلام الأمريكية تخدم توجهاتها السياسية بكل قوة، وغير صحيح أنها محايدة، وهي " تمتلك أكبر ترسانة إعلامية في العالم, وكالات الأنباء الأمريكية تتحكم ب 80% من الصور المبثوثة, تنتج أو تبث 57 % من الأفلام السينمائية في العالم , تزود "وكالة الاسوشيتدبرس" 1600 صفحة بأخبارها, كذلك 5900 محطة إذاعية وتلفزيونية, يشترك الأمريكيون بــ 90% في شبكة "الانترنيت, تعد محطة "السي إن إن "المصدر الأساسي للأخبار المصورة في العالم, تشير أحدى دراسات إلى أن المواطن الأمريكي يشاهد في العالم ويتابع قضايا ثقافية وإعلامية من تلفاز وإذاعة ومسرح وسينما ومطالعة, حوالي 3400 ساعة أي بمعدل (8/9) ساعات يومياً, وبالتالي يكون في مخيلته مواقف عن الكثير من القضايا من خلال هذه الوسائل الإعلامية, كما يفترض في وسائل الإعلام أن تتعامل بموضوعية مع الأحداث سواء كانت داخلية أو خارجية, ولكن نجد أن أغلب وسائل الإعلام الأمريكية لا تتعامل مع هذه الإحداث بواقعية وبدلالتها الظرفية , في ظل النفوذ والسطوة الإعلامية الصهيونية على الإعلام الأمريكي, بل تقدم وتسوق القضايا الكاذبة وإشاعتها أمام الرأي العام الأمريكي.[1]
في مقالة افتتحها الطيب تيزيني بأن عمليات التخمين انتهت تقريباً بأن أمريكا تريد السيطرة على العالم ثقافياً، وأننا في مرحلة يجب أن ندرك فيها أن ثقافتنا مستهدفة أكثر من أي وقت مضى. وأن النظام العولمي الجديد ينصب فخاً على المسلمين التنبه له، وأن الثقافة تبقى صمام الأمان للشعوب، وأن بنية الشعوب الثقافية ملتصقة بها. ويستدرك " بيد أن تصاعد الأحداث مع حرب أفغانستان والانتفاضة الفلسطينية وغزو العراق وانتفاضة لبنان السيادية، أخذ يقدم من "الإشارات البرقية" ما يدعو إلى التساؤل فيما إذا كان "الثابت الثقافي" قابلاً للاختراق؟ ففي أفغانستان برز مطلب تحديثها ثقافياً بإشراف أميركي، وفي فلسطين انطلقت اتجاهات تزوير التراث الفلسطيني العمراني والفني الموسيقي والأسطوري واللغوي بتشجيع أو بصمت أميركي. وفي العراق كان اتجاه تدمير الذاكرة التاريخية التراثية صاخباً إلى درجة الجريمة. وفي لبنان نشرت صحيفة "الدستور" خبراً مفاده أن أربعة ملايين دولار وُضعت في السفارة الأميركية بلبنان رهن تصرف الأساتذة الجامعيين والإعلاميين اللبنانيين، إضافة إلى أن موظفين في السفارة المذكورة حاولوا توزيع كتب جامعية لقسم الأدب الإنجليزي في فرع جامعي بمدينة صيدا. وبكلمة إجمالية، يتأسس المشروع الثقافي الأميركي في "إصلاح واقع الحال" في هذه البلدان وغيرها، على نحوٍ ينتج حالة من "التوازن الثقافي" في "الشرق الأوسط" وبكيفية يمكن أن تقود إلى التدخل في نصوص دينية وبالتحديد القرآن"
والأصل هنا ليس الحرب العسكرية بقدر ما هو الحرب الفكرية التي تحتاج إلى أساليب ودراسات في المراوغات والإيهام والافتعال من أجل الهيمنة الكلية على العالم، وليس وهما إنْ قلنا إنّ تحركات الإعلام الغربي وكتاباته وكتّابه جميعهم لا يعملون بحيادية فتحت نقطة ( الحياد الشخصي ) كتب هربرت شيللر، وهو أستاذ وسائل الاتصال في جامعة كالفورنيا، في كتابه المتلاعبون بالعقول" لكي يؤدي التضليل الإعلامي دوره بفعالية أكبر، لا بد من إخفاء شواهد وجوده. أي أن التضليل يكون ناجحاً عندما يشعر المضلَّلون بأن الأشياء هي ما هي عليه من الوجهة الطبيعية والحتمية."[2]
و يقول بريجنسكي في كتابه: "رقعة الشطرنج" ما يلي: لم تُقدَّر السيطرة الثقافية حقّ قدرها كعامل من عوامل النفوذ العالمي الأميركي، فبغض النظر عن موقف المرء من قيمتها الذوقية، فإن الثقافة الجماهيرية الأميركية تمارس جذباً مغناطيسياً خصوصاً على شباب العالم... تحتل الأفلام والبرامج التلفزيونية الأميركية ثلاثة أرباع السوق العالمية... الإنجليزية هي لغة الإنترنت، والنسبة الغالبة من الدردشة العالمية على الكمبيوتر تصدر عن أميركا، الأمر الذي جعل الأميركيين يؤثرون على مضمون كامل التخاطب العالمي. وأخيراً، فإن أميركا قد أصبحت كعبة الباحثين عن التعليم المتقدم، حيث يقصد أميركا حوالي نصف مليون طالب أجنبي يختار كثيرون من أفضلهم عدم العودة إلى بلادهم. ويخلص بريجنسكي إلى القول "السياسي الثقافي" المُلفت: يمكن العثور على خرّيجي الجامعات الأميركية ضمن التشكيلات الوزارية في جميع دول العالم تقريبا[3]."
ويأتي تعبير "هندسة الموافقة " الذي وضعه إدوارد باريز في مقدمة العمليات التي تعمل عليها السياسة الأمريكية، وكانت في البدء تستهدف الشعب الأمريكي، أو بالأحرى الشعب الأمريكي هو فأر التجارب فيما يفعله المتنفذون وأصحاب رؤوس الأموال وذوي القوة والمال، منذ قيام الولايات المتحدة إلى اليوم "فعمليات السيطرة على العقل العام الأمريكي تتم بشكل مستمر ومتكرر وتصل إلى ذروتها في فترات الأزمات بحيث يساق الشعب بشكل دائم إلى إدراك بأن الحرب لم تنته ، وبأن بلاده تحارب من أجل قضية نبيلة، ولا غرابة أن يستخدم "ريجان" تعبير " امبراطورية الشر" وبوش " تعبير " محور الشر" للتأثير على المواطن العادي"13[4]
العمل الفكري والإعلام
إن السجلات التي تم الحصول عليها من وزارة الخارجية الأمريكية والوكالة الأمريكية للتنمية الدولية USAID وغيرها، كشفت عن عدد كبير من المشاريع الإسلامية التي يتم تمويلها بأموال دافعي الضرائب الأمريكيين منذ الحادي عشر من سبتمبر، وتتوزع في حوالي 24 بلداً على الأقل. وفي تسعة منها تساعد الأموال الأمريكية في ترميم مواقع إسلامية مقدسة، ومن بين هذه المواقع بعض المساجد التاريخية في مصر وباكستان وتركمانستان. وفي قرقيزستان، قامت السفارة الأمريكية بالمساعدة في تمويل عملية ترميم أحد أكبر المزارات الصوفية. وفي أوزبكستان ذهبت الأموال الأمريكية إلى صيانة بعض المخطوطات الإسلامية الأثرية، من بينها عشرين نسخة من القرآن، يعود تاريخها إلى القرن الحادي عشر الميلادي. وفي بنغلاديش تقوم الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية USAID بتدريب أئمة المساجد على بعض المواضيع التنموية. وفي مدغشقر، قامت السفارة برعاية دورة رياضية بين المساجد.
أي أن الآلة الأمريكية لم تتوقف عند مسألة من هو المثقف بل من هو المؤثر في بلده، واستطاعت استغلاله بحجة المساعدة، والبناء، بينما هي في الأصل دون أن يدرك السذج من هؤلاء ـ أو بإدراك ـ أن الهدف أكبر من تقديم مساعدة، وأن البناء هو بناء المصالح لفئة محددة تريد السيطرة على العالم.. وهكذا تستمر الاختراقات في العالم الإسلامي دون أن يعي ماذا وراء ذلك.
تذكرت مقولة هنا للكاتب الأفريقي آتشيبي في روايته الأشياء تتداعى وهو يقول: لا تسير سلحفاة في النهار دون هدف" وهكذا هي سلحفاة أمريكا الفكرية تسير بهدوء جداً في وسط النهار حتى تصل إلى هدفها ولو بعد حين.
[1]
[2]
[4]
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
أهلا وسهلاً..سأحتفي برأيك