إرهاب الدولة الأمريكية
وقف تيد كوبيل خطيباً ليقول: " إن مانوويل نورييغا ينتمي إلى جمعية الأوغاد الدوليين، من أمثال عيدي أمين، وسواه، الذين لا يحب الأمريكيون شيئاً أكثر من كرههم، لذا فقد تم ضمان تأييد الجمهور القوي من القيام بعملية انتقامية"172[1] ومن هو نورييغا هذا إنه صديق واشنطن الذي حوله الإعلام إلى شيطان وأسقطته أمريكا عام 1990م " وسربت وسائل الإعلام أسخف القصص من البيت الأبيض إلى الجمهور، عن مورييغا وصورته على أنه شيطان. بغض النظر عمّن من هو الرئيس البنمي ؟ ومن هو نورييغا مهرب المخدرات أو السلاح ، والذي حُكم عليه من قبل الولايات المتحدة بالسجن.. فهنا صيغة التعامل مع صديق للولايات المتحدة، والذي أثبت أنه لا صديق لها، وأن الصديق عليه أن يخشاها أكثر من العدو. والعجيب أن هذا الصديق لم يسجل عليه أي خطأ أُرتكِب، ولم يجدوا في حوزته ما ادعنه حكومة الولايات المتحدة، ولم يعثروا على مخازن الكوكايين التي تحدثت عنها صحافتهم وإعلامهم الذي يحمل رسالة إيعاز من البيت الأبيض بأن تُشنّ حملة عليه، كنوع من التهيئة للرأي العام العالمي بل المحلي قبل أي شيء، فالرأي العالمي لا يهم الأمريكان مهما فعلوا ومهما ارتكبوا من أخطاء، بل من إرهاب. عن هذا أوردت صحيفة بوسطن غلوب قصة مخازن الكوكايين التي لدى نورييغا، وأظهرت أنها مخازن "طامال" طعام مكسيكي معدّمن دقيق الذرة ومن لحم مفروم مع الفلفل الأحمر.
ويتهكم تشاومسكي حين يقول:" يبدو أن أحدا لم يتوصل إلى المستوى الرفيع الذي بلغته واشنطن في الدفاع عن غزوها بنما" ويذكر بالمادة 51 وجواز استخدام القوة لحماية البلاد والعباد والمصالح الأمريكية، مستدلا بإعلان وزارة العدل الأمريكية من أن الهدف هو " الحيلولة دون استخدام أراضي هذه الدولة كقاعدة لترويج المخدرات إلى الولايات المتحدة" ليعود في تهكمه ويكشف خدعة المبادئ الشرعية التي تستند عليها الولايات المتحدة لغزوها لبنما" لكن قوة المبدأ الشرعي الخادع قد انكشفت جلية بعد ذلك ببضعة أعوام،وعزز قوله هذا بما قاله البيت الأبيض" بنما ذات الديمقراطية الجديدة قد صارت المركز الأكثر نشاطاً لغسيل الأموال من تجارة الكوكايين في نصف العالم الغربي"[2] النظام العالمي القديم والجديد ص29 وقطعا هنا سيتضح فيما بعد أن السبب للغزو هو ضمان السيطرة والهيمنة على مفاصل الدولة وعلى مؤسساتها المالية، وليس كما تدعيه السياسة الأمريكية من أهم أهدافها في العالم هو إحلال الديمقراطية والعدالة والمساواة، وما إلى ذلك من الكلمات الرنانة.
إن الدولة التي وصفت بالإرهاب بشكل علني هي الولايات المتحدة الأمريكية فهي"الدولة الوحيدة في العالم التي أدانتها المحكمة الدولية بالإرهاب والتي استخدمت الفيتو ضد قرار لمجلس الأمن يدعو جميع الدول إلى احترام القانون الدولي " وتعد هذه سابقة في تاريخ السياسة الدولية لما يصطلح عليه بإرهاب الدولة كان مرتبطا بالسلوك السياسي والعسكري الإرهابي للولايات المتحدة. ولعلنا نتذكر أن أول عهد لهذه الكلمة جاء عام 1981م من قبل أمريكا، والأمم المتحدة لم تتعاط مع هذا المفهوم إلا على أيدي أمريكا.[3]
ولعل ما حدث في عهد بيل كلنتون في عملية " الوصول المطلق" في السودان، يعزز هذا القول؛ حيث تم إطلاق الصواريخ من السفن الحربية الأمريكية المتمركزة البحر الأحمر، استهدفت مصنع الشفاء للأدوية. وقد ادعت الولايات المتحدة أنه كان يساعد أسامة بن لادن العقل المدبر لهجمات السفارة في تصنيع الأسلحة الكيميائية.
وذكر مستشار الأمن القومي للولايات المتحدة ريتشارد كلارك أن المخابرات وجدت علاقة بين أسامة بن لادن ومشغلي مركز الشفاء الحالي والسابق وهما خبراء غاز الأعصاب العراقي والجبهة الإسلامية القومية في السودان.
كما طالبت الحكومة السودانية إدارتي كل من بيل كلينتون وجورج بوش الأب بالاعتذار لكن لم تحصل على شيء؛ لأن المخابرات الأمريكية لا تزال تعتقد أن المحطة لها علاقة بالأسلحة الكيميائية. وفقًا لشهادة ويليام كوهين, "فإن أجهزة المخابرات الأمريكية حصلت على أدلة مادية من خارج منشأة مصنع الشفاء في السودان دعمت المخاوف طويلة الأمد بشأن دوره المحتمل في جهود تصنيع الأسلحة الكيميائية السودانية التي يمكن أن يستغلها تنظيم القاعدة."[4]
ومع ذلك، اعترف مسئولون في وقت لاحق أن " الأدلة التي دفعت الرئيس كلينتون أن يأمر بقصف مصنع الشفاء لم تكن موثوقًا بها كما تم تصويرها في البداية"، وفي الواقع، وقال مسئولون في وقت لاحق أنه لا يوجد أي دليل أن المصنع قام بتصنيع أو تخزين غاز الأعصاب، كما كان يشتبه الأمريكيون في البداية ولا كان له علاقة بأسامة بن لادن المقيم في الخرطوم في التسعينيات.[5]
لقد دمر المصنع بغارات صاروخية أمر بها الرئيس الأمريكي وقتها بيل كلينتون بدعوى تصنيعه ـ أي المصنع ـ لأسلحة دمار شامل، تبين وبمرور الوقت أن القصف تم بناءً على معلومات استخباراتية مغلوطة، زودها تجار المعلومات ـ بحسب قطبي المهدي ـ للمخابرات الأمريكية الـ CIA ضمن 100 تقرير ملفق اتضح عدم صحتها لاحقاً.
وقد أُخذ عينات من تربة المصنع فيمت بعد وتم تحليلها وحسب تقارير أمريكية شبه رسمية لم يثبت شيء، وأن هناك خطأ ما. وقد طالبت الحكومة السودانية بالإعتذار فقط من حكومة الولايات المتحدة ولكنها لم تفعل ، وهو ديدنها.
وكان مصنع الشفاء المصدر الرئيسي للأدوية في السودان إذ كان يغطي الغالبية العظمى من السوق السوداني. وكتب فيرنر دوام ـ سفير ألمانيا في السودان 1996-2000ـ مقالاً يقدر فيه خسائر الهجوم بقوله: "ربما أدى إلى عشرات الآلاف من القتلى من المدنيين السودانيين"
وكتب المركز الأمريكي للاستخبارات والبحوث تقريرا عام 1999 يشكك في الهجوم على المصنع مما يشير إلى أن معلومات وجود صلة بينه وبين بن لادن لم تكن دقيقة. كما وضح جيمس رايزن في نيويورك تايمز: "وجدد المحللون حاليًا شكوكهم حيث قالت مساعدة وزيرة الخارجية فيليس أوكلي أن دليل وكالة المخابرات المركزية الذي تم على أساسه الهجوم لم يكن كافيًا. كما طلبت منهم السيدة أوكلي إعادة التحقق ربما هناك بعض المعلومات الاستخباراتية التي لم يتم الاطلاع عليها إلى الآن. جاء الجواب مرة أخرى بسرعة: لم يكن هناك أي أدلة إضافية. ودعت السيدة أوكلي لاجتماع المساعدين الرئيسيين وكان هناك توافق في الآراء: على عكس ما كانت تقوله الإدارة وكانت العلاقة بين مصنع الشفاء والسيد بن لادن ضعيفة .
وقالت الجارديان : " كان مصنع الشفاء هو الوحيد الذي ينتج هذه العقاقير لما يزيد على 100000 من المرضى ، بسعر جنيه بريطاني واحد في الشهر لمرضى لا يملك معظمهم اختيار البدائل المستوردة الأكثر تكلفة . كان الشفاء هو المصنع الوحيد الذي يصنع العقاقير البيطرية في هذه البلاد الشاسعة التي يغلب عليها النشاط الرعوي ، وكان مختصا في صناعة العقاقير التي تقتل الطفيليات التي تنتقل من القطعان إلى رعاتها وهذا أحد الأسباب الرئيسية لوفيات الأطفال في السودان " .
ويرى تشاومسكي أن ضحايا تدمير مصنع الشفاء للصناعات الدوائية في السودان أكثر من ضحايا 11/9 . وقال:" لو حصل هذا الأمر ضد الولايات المتحدة أو بريطانيا أو اسرائيل لقامت الدنيا ولم تقعد. وقد سعت السودان كي تجري الأمم المتحدة تحقيقا في مبررات القصف ، لكن حتى هذا عرقلته واشنطن ، والضحايا ليسوا من سقط بصواريخ كروز فقط بل نتيجة الجريمة كلّياً . فبعد الهجوم بعام ، وبدون الدواء المنقذ للحياة الذي كانت تنتجه المرافق المُدمّرة استمر عدد الموتى في السودان نتيجة القصف في الإرتفاع ، باستمرار .. وهكذا إن عشرات الألوف من البشر – كثير منهم من الأطفال – عانوا الملاريا والتدرن وغيرهما ، وماتوا من أمراض يمكن علاجها . فقد كان مصنع الشفاء يقدم أدوية سعرها في المتناول للبشر ، كذلك يقدم جميع الدواء البيطري المتاح في السودان ، إذ كان الشفاء ينتج 90% من منتجات السودان الدوائية الكبرى . كما أن العقوبات المفروضة على السودان تجعل من المستحيل استيراد كميات كافية من الدوية اللازمة لسد الفجوة الخطيرة التي خلفها تدمير المصنع . مازال الإجراء الذي اتخذته واشنطن في 20 آب 1998 يحرم شعب السودان من الأدوية التي تمس الحاجة إليها ".[6]
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
أهلا وسهلاً..سأحتفي برأيك