الحرب القذرة على العالم ( 21 )
" وهكذا ترى أننا الجيل التالي لتقاليد عظيمة، بدأت عندما كنت أنت في السنة الأولى ابتدائي"مؤلف كتاب الاغتيال الاقتصادي
يقول الباحث في التاريخ الأمريكي جون فايسك عن حدود امتداد الولايات المتحدة: " الولايات المتحدة الأمريكية هي الدولة التي يحدها الشفق القطبي شمالا، والإعتدالين جنوباً، والعماء البدائي شرقا، ويوم القيامة غرباً"ص161
هذه الحدود التي تحدث عنها من نتائجها أن نمو حصة الفرد الواحد من النواتج القومية المتحققة على مستوى العالم تراجعت تراجعا مخيفاً، منذ أن ظهرت الكربورقراطية. وكان أنغوس ميديسون قد توصل، من خلال البيانات التي جمعها عن تطور الاقتصاد العالمي منذ ألف عام ، إلى نتيجة مفادها :" أن نمو الاقتصاد العالمي قد تباطأ بنحو ملموس منذ عام 1973م.."
التاريخ الأمريكي بالكامل ليس بريئا، ولم يكن في أي عقد من عقوده يتسم بهذه الصفة منذ نشأة الولايات المتحدة، وما المقولة السابقة التي طرحها جون بيركنز:" هل ثمة شخص بريء في الولايات المتحدة؟" إلا سؤال عريض يوجهه للشعب الأمريكي نفسه، الذي يعد مغفلاً أو متغافلاً عما يجري حوله ، وما ترتكبه حكومته من حماقات حول العالم بادعاءات كلها من صنع الشركات الساعية إلى السيطرة على العالم أو بادعاءات من زمرة صغيرة تعبث بالإنسانية وتريد لها أن تعيش في حالة من القلق، مثلما يعيش الشعب الأمريكي، عندما يُراد تهيئته لحدث ما أو لعمليات إرهابية جديدة ستقوم بها دولته. ولكن اكتشفت دراسة أرسلت إلى لجنة الرئيس لاضطرابات الجامعة أن :" ثلاثة أرباع الطلبة يوافقون على الرأي القائل إن الولايات المتحدة هي أساسا مجتمع عنصري." وكأن هذه الدراسة تشير إلى معرفة الشعب، وأنه يعي ما تفعله دولته، ولهذا فهو صامت لأن العنصرية هي التي تجعله يقف موقف المتفرج مما تفعله الشركات الأمريكية واستخباراتها في العالم.
نماذج لاستبداد الكربورقراطية
خلال ثلاثة عقود ارتفع حد الفقر في الأكوادور من 50% إلى 70% من السكان، وازدادت نسبة البطالة من 15% إلى 70% وارتفع الدين العام من 240 مليون دولار إلى 16 مليار دولار، وتخصص الأكوادور اليوم قرابة 50% من ميزانيتها لسداد الدين العام المترتب عليها جراء ضغوطات الشركات التي تريد التهام الأخضر اليابس. والحل ـ في النهاية ـ هو بيع أراضيها للغزاة، الذين جاءوا من أجل إنقاذ الأرض من الطغاة والسفاحين.
ونظرا لتصدي الرئيس الإكوادوري خاييمي رولدوس، المنتخب ديمقراطياً وبشكل سلس وليس فيه أي تلاعب بالنتائج، لمحاولة إغراق الأكوادور ولعدم الخضوع للشركات الأمريكية، فإنه سيواجه مصيره المحتوم، فما لم تستطع عمله الكوربورقراطية ستعمله المخابرات الأمريكية بكل اقتدار ففي بدايات عام 1981م قدمت إدارة رولدوس رسميا قانون الهيدروكربون الجديد إلى مجلس تشريع الأكوادور، وهو قانون منظم لاستكشاف وبيع البترول ومشتقاته بالإضافة إلى الغاز الطبيعي. وكون هذا القانون وغيره من التشريعات الأخرى لم تعجب الشركات الأمريكية فإنهم بدأوا في تشويه سمعة الرئيس رولدوس، ورغم التشويه والسعي إلى إسقاطه بشتى الطرق والتهديدات بالقتل، إلا أنه لم يتراجع عن خطته ورد عليهم وهاجمهم واتهم المعهد الصيفي للغويات SIL علنا بالتآمر مع شركات البترول، بل طرد SIL خارج البلاد.
إن قصة اغتيال هذا القائد الشجاع الذي كان يريد لشعوب أمريكا اللاتينية أن تعيش في حالة من الأمن والسلام، وأن يعيش شعبه بالذات في حالة من السعادة، هي قصة حزينة تدلل على قساوة القلوب التي اغتالته، ولماذا اغتالته لأنه لم يحقق المطلوب منه، ولم يجعل الشركات الأمريكية هي المسيطرة على بلاده. ولأنه سيعدي البلاد المجاورة عندما يحقق النمو لبلاده وبالتالي ستخرج كل أمريكا الجنوبية وأمريكا الوسطى عن السيطرة الأمريكية.
فـ" بعد مرور بضعة أسابيع على صدور تشريعات أملاها رولدوس على مجلسه التشريعي، حذر كل أصحاب المصالح الأجانب بما فيهم شركات البترول دون تحديد، أنهم إن لم يضعوا خططا لمساعدة شعب الأكوادور، فسيرغمون على مغادرة بلاده. وألقى خطابا مهما في ستاد أوتاوالبا الأولمبي في كيوتو، ثم توجه إلى قرية صغيرة جنوب الأكوادور.
وهناك لقي مصرعه في حادث تحطم طائرة مروع صدم العالم في الرابع والعشرين من مايو 1981م، وفارت أمريكا اللاتينية بالغضب. أعلنتها الصحف صراحة في نصف الكرة ألأرضية " اغتيال على يد المخابرات الأمريكية" فبالإضافة لكراهية واشنطن وشركات البترول له، ظهر كثير من الشكوك تدعم هذه المزاعم، وتصاعدت هذه الشكوك بعد كشف المزيد من الحقائق. لم يثبت شيء، لكن شهود عيان صرحوا أن رولدوس سبق وتلقى تهديدات بقتله، وأنه اتخذ الاحتياطات الأمنية، مثل السفر على طائرتين هيلوكبتر. في اللحظة التي أقنعه أحد ضباط الأمن العاملين معه أن يستقل الطائرة المفخخة، والتي نسفته.
ويضع صاحب كتاب الاغتيال الاقتصادي للأمم جملة تهكمية عن الإعلام، وعن حرية الصحافة، وعن " البروباجندا" التي تسيطر على الإعلام الأمريكي حينما تريد أمريكا غزو بلد ما أو القيام بعمليات قذرة في أي جزء من العالم، وأين هي مما فعلته أيادي الاستخبارات الأمريكية في الأكوادور؟ يقول بيركنز " رغم كل ردود الفعل العالمية، فبالكاد وصلت الأخبار إلى صحافة الولايات المتحدة!!". 178
هذا النموذج الصارخ لما تفعله حكومة الولايات المتحدة الأمريكية في العالم ، فكل من يريد مصلحة شعبه يقفون في وجهه ويسقطونه ويشوهون سمعته، ويستعدون العالم عليه بشتى الطرق، وما منظمات الأمم الخاضعة لأمريكا سوى إحدى الأيادي التي تشوه أي دولة تريدها الولايات المتحدة الأمريكية خصوصاً وأن ظهور هذه المنظمات جاء في وقت مرسوم له أن تظهر لخدمة المصالح الأمريكية أو القوى العالمية التي تريد أن تسيطر على العالم وذلك من عام 1967م فـ " لحسن حظ المخططين فإن عام 1967 قد شهد شكلا آخر من الثورة تمثل في تقوية الشركات الدولية والمؤسسات المتعددة الجنسيات، مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وكان الأخير ممولا مبدئياً من الولايات المتحدة وحلفائها الأوربيين.. ونمت علاقة تكافلية بين الحكومات والشركات والمؤسسات متعددة الجنسيات."43
هذه العلاقة هي التي جعلت من السياسة الأمريكية تهدم كل من تريد تحت طائلة القانون الدولي بل والأدهى والأمر أن المنظمات تقف إلى جوارها في تحقيق ما تريد. ومتى ظهر مثل رولدوس فإن المخابرات الأمريكية ستتكفل به وستقتله إن لم تستطع إيقافه بأساليب الكربورقراطية.. وقد رأينا سقوط مصدق والليندي وعمر توريخوس رئيس بنما وغيرهم من الخصوم الذين يعملون ضد سياسة أمريكا.
وفي مأساة أخرى حدثت في نفس العام وهي اغتيال عمر توريخوس رئيس بنما، لأنه لم يخضع للإرادة الأمريكية حول قناة بنما، وآثر أن تكون للشعب وليس للشركات التي تديرها الولايات المتحدة، ولهذا دبرت له المخابرات مصرعاً شبيها بمصرع رولدوس، مع فارق أن توريخوس مات في حادثة تصادم طائرتين والأكوادوري مات مقتولا بعد تفجير طائرته.
صور المأساة بيركنز بما يشبه السينما الأمريكية، ورجل الكاوبوي الذي ميزته السينما بسرعة إخراجه للسلاح وقتل الأعداء الذين يواجهونه بخفة ودون أن ترمش له عين: " لكي تستكمل إدارة ريجان الجديدة صورة راعي البقر في أفلام هوليوود بسرعته المعهودة في سحب سلاحه، كانت تلك الفجاجة هي الوسيلة المثلى لبعث مثل هذه الرسالة، إنها تعد إنذاراً بعودة ثعالب المخابرات، الذين أرادوا أن يعلموا بذلك عمر توريخوس وسواه ممن قد يفكرون في مقاومة الكربورقراطية وجهادها المقدس لاستغلال العالم. لكن توريخوس لم يكن بالرجل الذي تنثني عزيمته، فهو مثل رولدوس، رفض الإذعان للتهديدات، وأطاح أيضا بالمعهد الصيفي للغويات، ورفض بصلابة الاستسلام لطلبات ريجان بشأن إعادة التفاوض في معاهدة القناة"180
مواجهة الكربورقراطية والتسلط الأمريكي
كي نواجه هذا العنف المخفي عن أنظار العالم والذي لا يعرفه إلا الساسة في بلدانهم على الحكومات العالمية وبكل شجاعة، وشفافية في نفس الوقت، أن تعمل على الآتي:
أولا: تسريب كافة الاتفاقيات مع الشركات الأمريكية للإعلام.. مع التفاصيل الدقيقة للعقود وما ستقوم به، ولن تلام لأن هذا يعد ضمن حرية التعبير.
ثانياً: لا يتوقف هذا التسريب عند الأوراق الموقعة بل العمل على تزويد المحللين برؤى تتبنى عمليات البناء المزعومة التي تسعى إليها هذه الشركات، وتتعدد القراءات في هذا المجال من أجل مصلحة البلدان، وكي توفر الحكومات على نفسها عناء الضغط الشعبي وتواجه الضغط الخفي بضغط شعبي معلن.
ثالثاً: تكثيف البرامج والكتابات والكتب عن العمل على تطور البلدان بعيدا عن الضغوطات العالمية، والتكيف على العمل بأن المعلومات هي السبيل الوحيد لمواجهة أي خطر.
رابعاً: الترويج لخطط وطنية بعيداً عن رؤية الكربورقراطية، أي الترويج الحقيقي وليس الوهمي وإخضاع ذلك للرأي العام.
خامساً: المواجهة بالمثل مع التوجهات العالمية، فأمريكا تُظهر دوما أنها تريد المساواة والعدل ومصلحة الشعوب، وعلى الدول وبحسن النية إظهار ما هو العدل وما هي المساواة عبر العمل على تنفيذ الخطط بما يخدم الشعب.
سادساً: السعي نحو الإنتاج، وليس نحو التسويق فقط.. فإستراتيجية الخمول والارتكاز على ما تسوقه الشركات الأمريكية من كلام عبر شركاتها ووكالات دعاياتها وإعلاناتها يقصي الفرد عن الإنتاجية، وهذا هو المطلوب من قبل طغمة "الكربورقراطية".
سابعاً: النظر إلى ما فعله الشعب التركي حين رفض إسقاط الرئيس بعد أن حاولوا عبر الانقلاب الفاشل الذي تصدى له الشعب، فالشعب هو الحماية الحقيقية لأي رئيس وليس الشركات المنتفعة من البلدان.
ثامناً: التصدي لرؤية بعض الأشخاص المناوئين والذين يرغبون في الكسب الشخصي على حساب المصلحة العامة.
.. يتبع
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
أهلا وسهلاً..سأحتفي برأيك